lunedì 7 marzo 2011

دروس في الفلسفه لتلاميذ البكالوريا:الوعي و اللاوعي

محاور الدرس




1) مشكلة الوعي



2) الوعي و اللاوعي



3) الإيديولوجيا و الوهم

- طرح الإشكالية: مشكل الوعي




تختلف مدلولات الوعي من مجال إلى آخر, ومن فيلسوف إلى آخر فمنهم من يقرنه باليقظة في مقابل في مقابل الغيبوبة أو النوم. و منهم من يقرنه بالشعور فيشير إلى جميع العمليات السيكولوجية الشعورية. ويمكن أن نجمل الدلالة العامة للوعي فيما يلي: ــ إنه ممارسة نشاط معين ( فكري, تخيلي, يدوي...الخ), و واعين في ذات الوقت بممارستنا له. و من ثمة يمكن تصنيف الوعي إلى أربعة أصناف وهي:



-1- الوعي العفوي التلقائي: إنه ذلك النوع من الوعي الذي يكون أساس قيامنا بنشاط معين, دون أن يتطلب منا مجهودا ذهنيا كبيرا, بحيث لا يمنعنا من مزاولة أي نشاط آخر.



-2- الوعي التأملي: إنه وعي يتطلب حضورا ذهنيا قويا مرتكزا في ذلك على قدرات عقلية كلية, كالذكاء, أو الإدراك,أو الذاكرة.



-3- الوعي الحدسي: وهو الوعي المباشر و الفجائي الذي يجعلنا ندرك الأشياء أو العلاقات, أو المعرفة, دون أن نكون قادرين على الإدلاء بدليل أو استدلال.



-4- الوعي المعياري الأخلاقي:وهو الذي يسمح لنا بإصدار أحكام قيمة على الأشياء و السلوكات فنرفضهما أو نقبلهما بناءا على قناعات أخلاقية, وغالبا ما يرتبط هذا الوعي بمدى شعورنا بالمسؤولية اتجاه أنفسنا و اتجاه الآخرين.







و بالتالي فالوعي هو إدراكنا للواقع و الأشياء, إذ بدونه يستحيل معرفة أي شيء.لذلك يمكن تعريف الوعي بأنه « الحدس الحاصل للفكر بخصوص حالاته و أفعاله». فهو بمثابة "النور" الذي يكشف الذات عن بواطنها. أما اللاوعي فهو يدل إلى حد ما على الشيء والمتقابل مع الوعي. و هنا يمكن الحديث عن اللاشعور, باعتبار السلوك اللاواعي أو الذي يصبح لا واعيا, واقعة نفسية.



انطلاقا من هذا التصنيف الدلالي لمفهوم الوعي يمكن أن نتساءل عن:



- ما هو الوعي؟ 2- ما شكل هذا الوعي ؟ هل هو وعي بسيط و مباشر؟ أم غير ذلك؟ ما مضمونه الأول؟ ماذا أدرك في فعل الوعي على وجه الدقة و التحديد؟ ثم ما علاقة الوعي باللاوعي؟ و هل يكفي أن نكون على وعي لمعرفة أنفسنا؟ هل الوعي هو أساس حياتنا الواقعية؟ أو الوهم هو الأصل؟.







. - I- مشكل الوعي



لقد تحدث برتراند رسل عن الوعي و ربـطـه بالمــدركات الــحــســيــةأو الخبرات الحسية حيث أكد على ضرورة عدم فصله (أي الوعي) عن مثيرات العالم الخارجي .فهو عبارة عن ردود أفعال اتجاه وسطه,هذا يعني أن الوعي مجرد طاقة ذات درجة خاصة و غير مستقلة و لكنه يميز الإنسان عن الجمادات كالحجارة و الأشياء و من ثم فإن رسل يؤكد على حالة اليقظة و ليس حالة النوم أي أنه غير مستمر في الزمن . كذلك الإنتباه و مراعاة عامل اللغة مع إدخال تغيرات عليها,لأن اللغة في نظر رسل جهاز و نظام غير منسق, و هنا نجده يميز بين نوعين من اللغة : لغة مرشدة,تمكن من فهم طبيعة العالم الذي نتحدث عنه.ثانيا :اللغة أداة مظللة وخداعة للتفكير,و من ثمة فإن كثيرا من الفلاسفة الذين اعتمدوا عليها ظلوا و أظلوا. هذا يعني أن للغة تأثير على الفلسفة و يتجلى في تناول القضايا الأخلاقية أو الميتلفيزيقية كالجوهر و الأخلاق, و الكرامة و الخير... إن اعتماد رسل على التحليل المنطقي يؤسس تمييزه للغة بناءا على مظهرين مختلفين و هما مجموع مفرداتها من جهة و تركيبها و بنائها من جهة أخرى.



إن الإنسان الكائن الواعي بذاته عند رسل يعني أمرين هما : دخول هذا الإنسان في علاقة على نحو الجهاد مع العالم الخارجي , و اكتشافه لذاته و لأفكاره و لعواطفه أي أن هناك امتحان للإنسان بإدراك وجوده الذاتي.و هنا يكمن مفهوم الوعي عند رسل و يتجلى و يذكرنا هذا الموقف بموقف جورج باركلي و الذي يرى أن الإدراك لايتعدى معرفة التصورات المعرفية المجردة أما عندما ندرك معطيات العالم الخارجي فإننا نكون حسب رسل فقط في مجال ردود الفعل اتجاه العالم , ونشترك في هذه الخاصية مع الجمادات. هذا يدل على أن الوعي لا يتحدد عند مستوى إدراك العالم الخارجي ,بل هو فقط رد فعل على النحو الذي تِؤذيه الحجارة و الجمادات عموما .



و هنا يقول:‹ فمادمنا نفترض أننا ندرك أشياء العالم الخارجي...قليلا جدا.› و لتوضيح هذه الفكرة يرى رسل أنه يستحيل إدراك المادة إدراكا مباشرا, و أن لها وجودا واقعيا ملموسا. ويتفق معه لوك في أننا لا ندرك من الواقع و العالم إلا بقدر ما تمدنا حواسنا به من معطيات حسية. هذا و يؤكد رسل على المعرفة القائمة على التجربة و على الحواس و على إدراك الكليات إدراكا فوريا و مباشرا و هو في نفس الوقت يؤكد على التمييز بين الذات الواعية و الموضوع, وعلى سبيل المثال لا الحصر إننا لا ندرك مدينة الرباط و مراكش إدراكا جزئيا , بل إننا ندركهما في إطار العلاقة الخارجية القائمة بينهما , و هذه العلاقة ليست من طبيعة نفسية صادرة عن الذات العارفة , و لكنها مستقلة عنها, تنشأ بطبيعتها في معزل عن فعل المعرفة في حد ذاتها.



مما سبق يتبين لنا أن الجزء الأساسي من مفهوم الوعي مرتبط بمدى إدراكنا للوجود الذاتي فنكتشفه من أفكار و عواطف فينا. و تحصل هذه العملية بواسطة الاستبطان , مما يدل على أن الاستبطان منهج يسمح و يمكن من ولوج العالم الداخلي في الإنسان, وفهم علاقة الذات الواعية بمحيطها الخارجي, أي أنه في هذه الحالة لا يتعلق الأمر بشيء من بين أشياء العالم و الجمادات بل بذات لها طبيعتها الخاصة بها . و من ثمة فالشرط الأساسي لقيام الوعي و كل معرفة حسب رسل هو إدراك الوجود الذاتي للإنسان عن طريق الاستبطان.لأن الوعي ميزة خاصة بالإنسان , وليست فقط مجرد رد فعل اتجاه العالم الخارجي أو أنه فقط إدراك حسي له . فرغم أن رسل ينتمي للاتجاه الواقعي و يؤمن بدور الحواس و التجربة في غناء الوعي الإنساني بكل ضروب القوانين الطبيعية, فنجد فلسفته تضرب بجذورها عند الأفلاطونية و المثالية. و قد دفعه موقفه هذا إلى اعتبار الفلسفة علما استبطانيا, يمكن أن يستغني عن التجربة الحسية , فتصبح علما منطقيا تعتمد الرياضيات منهجية في التحليل ولهذا تسمى فلسفته بالفلسفة التحليلية.



بعد هذا السجال الفكري حول تعريف و ضبط مفهوم الوعي يؤكد رسل عل صعوبة تحديد دلالاته و معرف ما يمكن أن يصل إليه من حقائق, والوعي في هذا المستوى يطرح كلفظ غامض يحتاج إلى الكثير من التوضيح, فإذا كان رسل يجمع بين لفظ الوعي و حالة اليقظة متجاهلا حالة النوم ,فإن برجسون يتجاوز هذا الطرح ليؤكد على صيرورة الوعي في الزمن , ليشير به إلى جميع العمليات السيكولوجية الشعورية.فالوعي أو الفكر عند برجسون ذو طبيعة مجردة أي أنه غير ملموس يرفض أن يقترن بأي طابع نسبي أو ذاتي , حيث أنه دائم الحضور في حياة كل إنسان ,لا يقبل القسمة إلى لحظات شعورية مرتبة بشيء ما, أو موقف معين, بحيث تتدفق و تنساب عبر الزمن حتى يصعب التمييز بين لحظاته. إنه إدراك الذات وللأشياء في ديمومتها و استمراريتها.أما تعريف الوعي بشكل واضح و نهائي فإنه يطرح صعوبة كبرى أدت ببرجسون إلى إبراز بعض من سماته ومظاهره هي : - الوعي ذاكرة , و شرط قيام و حصول الذاكرة التي تحفظ ماضي الإنسان في الحاضر, و هو أيضا قدرة على تجاوز الحاضر عقليا وتمثل صورة المستقبل.



فالإنسان الذي لا ذاكرة لديه لاوعي له, لذلك فشرط وجود الوعي هو وجود الذاكرة و استقراره بها ,ليصبح انفتاحا على الحاضر و الماضي و المستقبل.فعندما نفكر في أي لحظة معينة فإننا نجد هذا الفكر يهتم بالحاضر و بما هو كائن, لكن من أجل تجاوز ما سوف يكون في المستقبل و هذا يعني أنه لا يوجد وعي عند برجسون دون مراعاة حياة المستقبل فالمستقبل هو الذي يجعل الفكر يتقدم باستمرار دون انقطاع في الزمن و يجره إليه . و هو «أيضا دافع ...المستقبل». لفهم طرح برجسون بصدد تعريف مفهوم الوعي نستحضر أنه ينتمي إلى فلسفة الحياة والصيرورة و الحركة, و نؤكد على مجالين هامين في فلسفته عموما : مجال المادة المتميزة الصلبة, و مجال الحياة و الوعي المتواصل , و هذا يقع في نطاق الحدس فعن طريقه يمكن إثبات الحقيقة متجسدة في الصيرورة و ليست مجرد الحياة والوعي.



- أما إبن رشد فإنه بدوره يتناول مفهوم الوعي في علاقته بالعالم الخارجي ويطرح السؤال: هل الحس شرط لقيام الوعي بموضوعات العالم؟.



يرى ابن رشد على نحو معلمه أرسطو أن الإدراك الحسي شرط أولي و أساسي لقيام كل معرفة ووعي بموضوعات العالم الخارجي على خلاف رسل الذي يعتمد منهج الاستبطان بدل منهج الاستقراء في إدراك العالم الداخلي , وه شرط قيام الوعي لدى رسل , ويعبر هذا الرأي على الموقف الطبيعي للإنسان , الذي يقوم على نطاق الوعي مع الواقع. هذا يعني أن هناك تشابه تام بين الشيء في واقعيته و الشيء كما هو مدرك.لأننا لا ندفع الوعي إلى التحليل أو النقد, بل فقط يقوم باستقراء الواقع بكل جواهره و أشياءه عن طريق الوصف و التعميم و الترتيب...الخ , و لكن هل الإدراك الحسي بالمعنى الذي تقدم به ابن رشد و معلمه أرسطو هو الشرط الكافي و الأولى لقيام كل معرفة و كل وعي بموضوعات العالم الخارجي؟.



هنا سنوجه السؤال للفيلسوف الوجودي الفرنسي :ميرلوبونتي صاحب فينومينولوجيا الإدراك الحسي , التي تجعل من الإنسان الموضوع الأوللكل دراسة .إنه ينطلق من هذه



الفينومينولوجيا ليصل إلى فينومينولوجيا الوعي و الخبرة لأجل الكشف عن الطابع المفتوح للخبرة البشرية بصفة عامة. و يقصد بالإدراك الحسي تلك العودة إلى الأشياء و الرجوع إلى المعرفة الأوليةعن كل علم من أجل الوصف وليس من أجل التركيب .و يتساءل : هل تعني العالم الخارجي؟ ويقول إن العالم ليس بمثابة الموضوع الذي يمثل أمام الذات الواعية, إن هذه الذات ليست لها القدرة على تملكه. و لكنه الوسط الطبيعي أو المجال الأولي الذي تتحقق فيه إدراكاتنا الحسية لعالم و جل أفكارنا.



إن الوعي الإنساني حسب ميرلوبونتي يدخل في علاقة مشاركة مع العالم الخارجي, فيه تتحقق الإدراكات الحسية التي يمكن اعتبارها شرط أساسي لقيام الوعي بهذا العالم.







II -الــــوعـي واللاوعـي:







لمعرفة الحياة النفسية والعلاقة التي تحكم الوعي بالذات و العالم الخارجي , سيكون هذا الدرس عبارة عن تحديد و معرفة أصل الحياة النفسية و الكشف عن تدخل الوعي أو اللاوعي في تحديد وجود الذات. ثم الخلاصة إلى طبيعة انتاجات كل واحد منها.لهذا ننطلق من فرضية اللاشعور أو لنقل التحليل النفسي كنظرية عند فرويد, باعتبار اللاشعور يشكل مفهوما مركزيا يبنى عليه التحليل النفسي .إلا أنه يجب الإشارة إلى أن أعمال فرويد تشكل إلى جانب أعمال كل من ماركس و نيتشه تدشينا لمرحلة الشك في الوعي الإنساني. إن تراجع فرويد عن إعطاء الأهمية في التحليل للوعي أي الشعور, يفترض في المقابل وجود مفهوم اللاشعور كأساس و أصل للحياة.ليتخلى بعد ذلك عن هذين المفهومين لصالح مفهوم آخر هو مفهوم الجهاز النفسي المكون من ثلاث مناطق وهي: الـــــهـو, الأنـــا, الأنـــا الأعـلــــى. ونجد عبد الله العروي في مؤلفه ( العرب و الفكر التاريخي) يصنف ضمن الاتجاهات التي نقدت مفهوم الوعي و عقلية القرن 19 و بقول إن نظرية فرويد بدأت كمحاولة علمية عقلانية لإدخال اللاوعي في نطاق الوعي, و أن هذا الأخير يعلن لنا عن حقائق سابقة لنشأة الإنسان و المجتمع و اللغة , و أن منطق الميول و الرغبة هو منطق كوني أوسع بكثير من منطق العقل الإنساني المحدود. و نتساءل الآن ما هي مكونات الوجود النفسي عند فرويد؟ و كيف تتحدد الحياة النفسية لديه بناء على فرضية اللاشعور؟ و ما موقف فلسفات الوعي من هذا التصور؟



إذا كان ديكارت (1596-1650) قد مارس تأثيرا كبيرا على الفكر الغربي, وذلك من خلال جعل الحياة النفسية تطابق الشعور أو الوعي مطابقة تامة, مهملا بذلك الجانب اللاشعوري, و بالرغم من أن ليبنتز(1646-1716) قد انتبه إلى الحوادث اللاشعورية, فإننا نجد فرويد يدافع عن الطابع العلمي لاكتشافاته و يؤكد على فرضية وجود الجهاز النفسي "إنه ممتد في المكان , و مركب تركيبا مناسبا , و يتصور وفقا لمقتضيات الحياة و لا تبدو فيه ظواهر الشعور إلا عند نقط خاصة, و ظروف معينة."(الموجز في التحليل النفسي) .



يـــــــرى فرويد أن ما يمر بنا من خبرات حسية و ذهنية و انفعالية يسجله العقل بصورة ما و تكون ذاكرتنا أو حافظتنا بمثابة الأرشيف الذي نضع فيه تلك السجلات, فمن السجلات ما يكون ماثلا أمامنا في الشعور , ومنها ما نستطيع أن نبحث عنه فنستخرجه من بعض الخزائن ( في ما قبل الشعور)وطبقا لفرويد تتألف الشخصية الانسانية من انظمة رئيسة متعددة كالشعور وقبل الشعور واللاشعور وفي هذه الانظمة تركيبات ضمنية اخرى تقوم عليها الدينامية المشتركة للعمل . وبكلمة مبسطة يستعمل "الشعور" بمعنى مطابق للمعنى المستعمل في الحياة اليومية ، فهو يشمل كل الاحساسات والتجارب والفعاليات التي نكون واعين بها في أي لحظة . ويرى فرويد أن نظام الشعور يمثل فقط سطح الحياة العقلية ، وهو جزء بسيط إذا ما قورن باللاشعور . وهذا النظام يسير وفق المنطق والمألوف وما هو متعارف عليه ، وهو امر مقته السرياليون وتمردوا عليه.



وتشير مفهومة "قبل الشعور" إلى نظام يقع بين الشعور واللاشعور ، وتقع تحت طائلته نوعين من الافكار الاولى : سهلة التفطن مثل الذكريات التي لا ترتبط بالأم نفسه ، وهذه المحتويات تخضع لنظام "رقابة لينة" تحيل دون اختلاطها بعالم الشعور . النوع الثاني : افكار عسرة التفطن – لها علاقة ما باللاشعور - ، وربما تحمل شيئا من التجارب المؤلمة وهذه تخضع "لرقابة اكثر شدة" . وهي بكل احوالها محتويات لم تصل إلى مستوى "الكبت" في اللاشعور ، وتستدعى الافكار والذكريات من نظام قبل الشعور لكي تعين الشخص على التكيف في موقف يواجهه النظام الاخر والذي يمثل الامتداد الاوسع والاكثر عمقا واهمية عند فرويد والسرياليين هو نظام "اللاشعور" ، وهو تركيبة من المواد النفسية المختلفة التي لا تكون تحت تصرف الشعور مباشرة ، والتي يتألف قسم منها من حوادث "كبتت" الانفعالات المصاحبة لها من فترات طويلة ، وهي بجملتها خليط من الاحاسيس والتجارب المؤلمة والافكار والدوافع والرغبات المتطرفة المخالفة للجماعة ، والمستبعدة لاشعوريا من نظام الشعور إلى نظام اللاشعور . وطبقا لفرويد تبقى تلك المحتويات اللاشعورية حية لا تموت ، بل تظل نشطة تعمل على الوصول إلى نظام الشعور ، الا أن قوى الرقابة المشددة في الشخصية تحيل دون ذلك ، فتضطر هذه المواد المكبوتة أن تلتمس التعبير عن نفسها بطرق غير مباشرة "دون علم الرقيب" من خلال الحركات والافعال القسرية أو الاحلام والتخيلات وفلتات اللسان ، وزلات القلم، وما إلى ذلك . لذا يكون اللاشعور مؤثرا تاثيرا كبيرا في سلوك الفرد ومزاجه ويكون باستطاعته أن يغير افكار الفرد وعواطفه تغيرا واسعا دون أن يكون الفرد على علم بذلك ، (. د احتلت مفاهيم الشعور وقبل الشعور واللاشعور التي طرحها فرويد في كتابه "تفسير الاحلام" 1900 مكان الصدارة في نظريته حتى عام 1920 عندما قدم طروحات اعمق تفسيرا واكثر تعقيدا ومداخلة وهي "الهو ID والانا Ego والانا الاعلى super Ego " . طبقا لفرويد يمثل الـ "هو" القسم الاقدم الذي يحتوي على كل ما هو موروث من ميلاد الفرد حتى لحظة حاضره ، وهو مخزن الطاقة النفسية ، وتجري اغلب عملياته على مستوى اللاشعور ، ويعمل الهو على خفض التوتر وفق مبدا "اللذة" .



ويشير "الانا" إلى تنظيم معقد للعمليات النفسية ، يؤدي عمله وسيطا بين الهو بكامل اندفاعاته الغريزية والانا الاعلى بكل متطلباته الاجتماعية المثالية ويوفر انجاز الانا لوظائفه الاتزان للفرد ، والشيء المهم في عالم الانا أن التحكم هنا يخضع لمبدا "الواقع" أي ما هو موجود ، وممكن بالفعل وهدف هذا المبدا تصريف الطاقة لحين اكتشاف الموضوع الذي يرضي الحاجة ، فهو يعلق مبدأ اللذة مؤقتا ، من اجل مبدا الواقع .



اما "الانا الاعلى" فهو الممثل الداخلي للقيم التقليدية للمجتمع المحددة لكل ماهو واجب وينبغي أن يكون ، وبصيغة مثالية "الانا المثالي" ، وكل ما لا يجب ولا ينبغي أن يحدث وبصورة متطرفة "الضمير" وبذلك تمثل محتوياته كل ما هو مثالي وليس واقعي . فهو يشبه الهو من حيث أنه غير منطقي ، ويشبه الأنا في محاولته التحكم بالغرائز إلا أنه هنا يذهب ابعد من هذا في أنه لا يحاول فقط إرجاء الإشباع الغريزي بل الحيلولة دونه، وهكذا تؤكد نظرية فرويد أن الإنسان تركيب دائم الصراع بين أنظمته الشخصية وان القسم الأعظم من الحياة مغمور مبهم, لا منطقي غير محدد خاماته كتلة من الاحباطات والعقد والتجارب المكبوتة ، والغرائز المندفعة والمثل الاخلاقية المتطرفة المتراكمة على مر البعد الزماني الماضي للفرد .



إن تأكيد فرويد على ذلك العالم الغامض فينا ، وما ينطوي عليه من حقائق تمثل الشكل الاوضح لصورة الإنسان الحقيقي لغرابة أعماق عوالم اللاشعور وطاقاته المتأججة وراء هدف محاولة "إدراك" بعض الأبعاد والخواص في كينونتهم المغمورة وإنارة ما يمكن إنارته من الأماكن الخفية والتجوال في عالم غريزتي الموت "ثاناتوس" والحياة "ايروس" لإظهار معالم الإنسان الحقيقة وتسجليها في الفكر والأدب والفن على نحو حر والعالم الآخر الذي ولع السرياليون به واعتبروه منهلا مثمرا لمادتهم الأدبية هو الأحلام ، وذلك أمر آخر كان من أولويات اهتمام فرويد ، وصف فرويد الحلم باعتباره احد أهم الحيل التي تلجا إليها النفس البشرية لإشباع رغباتها ودوافعها وبخاصة تلك التي يكون اشباعها صعبا أو مستحيلا في عالم الواقع . يوضح فرويد في واحد من كتبه المهمة "تفسير الاحلام" أن الحلم تحقيق رغبة ، وأنه ليس أمرا من أمور الصدفة ، فهو مرتبط بالأفكار التي سبق أن كبتت في اللاشعور والتي تحاول جاهدة التعبير عن نفسها ، وان حدث وتمكنت من ذلك فإنها تضطر إلى الارتداد إلى مستوى الإدراك الحسي ، فتتحول تلك الافكار إلى مجموعة صور حية ومناظر بصرية في حالة الحلم . وبذلك يتحقق للنزعة المكبوتة اشباع وهمي ، ولما كان منبع الاحلام هو اللاشعور ، وحيث أن محتويات هذا العالم اللاشعوري -كما أوضح فرويد- جملة من التجارب المكبوتة في عالم سمته اللامنطق لذا تعبر تلك التفاعلات النفسية عن وجودها بشكل مموه يبدو أحيانا أمرا غرائبي وخلوا من المعنى بالنسبة لغير المتخصص.



ويؤكد فرويد على وجود عمليتين أساسيتين في عالم الحلم هما "التكثيف والنقل" ففي مقدورنا -والكلام لفرويد- أن نفسر عن طريق عمل التكثيف بعض الصور الخاصة بالحلم والتي نجهلها في حالة اليقظة جهلا تاما ، هذه الصور تتمثل في الوجوه البشرية المتعددة الشخصيات أو المزيجة ، أو تلك التصاميم الغريبة المتنافرة العناصر والتي تقدم في وحدة موضوعية من الحلم ، ولا نستطيع كشف هويتها أو إماطة اللثام عنها في أحيان كثيرة إلا بواسطة ذلك التركيب الرمزي المتنافر والمجتمع في صورة واحدة . أن شطرا كبيرا من اكتشافاتنا ، والكلام لايزال لفرويد ، بصدد عمل التكثيف في الحلم يمكن تلخيصه على النحو الآتي "إن مادة الحلم الكامنة هي التي تحدد المضمون الظاهر حتى في ادق تفاصيله تقريبا ، وكل تفصيل من هذه التفاصيل لا يشتق من فكرة منعزلة وإنما من عدة افكار مقتبسة من تلك المادة الأساسية وغير مترابطة فيما بينها بالضرورة بل من الممكن أن تكون منتمية إلى اشد ميادين الأفكار الكامنة اختلافا . أن كل تفصيل من تفاصيل الحلم هو بكل معنى الكلمة تمثيل في مضمون الحلم لزمرة من زمر الأفكار المتنافرة تلك" ،أن التنافر بين مضمون الحلم الظاهر ومضمونه الكامن لا يمكن أن يعزى إلى ضرورة التكثيف وما يرتبط به من تحويل الفكرة إلى موقف (الاخراج الدرامي) بل ثمة مؤشرات معينة تشهد على وجود عامل آخر وهو النقل ، "فأثناء قيام الحلم بعمله تنتقل الشدة النفسية للأفكار والتصورات التي هي موضوع عمل الحلم لتتلبس أفكارا وتصورات أخرى هي بالضبط تلك التي ما كنا نتوقع البتة أن نراها تأخذ تلك الحدة والكثافة الانفعالية" ,ويعتبر الكبت أساس الحيل الدفاعية جميعا, فكلنا نلجأ إليه بمقدار و عن وعى و إرادة, و لكن إذا أسرف الفرد في الالتجاء إلية كحل لمشكلاته و رغباته أنتقل به إلى حالة المرض و من ثم الوقوع في سلوكيات غير طبيعية. قالكبت المتصل يمنع الفرد من مواجعة مشاكلة مواجهة موضوعية و بالتالى عدم حلها



و فى كثير من الحالات تحاول الدوافع و الحاجات المكبوتة التعبير عن نفسها بطرق ملتوية لا شعوربة قد توقع الأنسان في الخطا أو الجريمة أو الأمراض النفسية, كما قد يظهر الشيء المكبوت فجأه فيحطم سدود الكبد كالنهر الجارف و يصبح القشة التى قضمت ظهر البعير, فقد يرتكب الأنسان جريمة لأسباب تافهة بسيطة:



· التعلية (التسامي): هو الارتفاع بالدوافع التي لا يقبلها المجتمع وتصعيدها إلى مستوى أعلى.



· التعويض: هو محاولة الفرد النجاح في ميدان لتعويض عجزه في ميدان آخر. (التوحد): هو أن يجمع الفرد ويستعير إلى نفسه ما في غيره من صفات مرغوبة.



· الاحتواء (الاستدماج): هو امتصاص الفرد في داخله قيم الآخرين.



· الإسقاط: هو أن ينسب الفرد ما في نفسه من عيوب إلى الآخرين.



· النكوص: هو العودة والتقهقر إلى مستوى غير ناضج من السلوك.



· التثبيت: هو توقف نمو الشخصية عند مرحلة من النمو.



· التفكيك (العزل): هو فك الرابطة بين الانفعال والأفعال.



· السلبية: هي مقاومة المسئوليات والضغوط.



· العدوان: هجوم نحو شخص آخر.



· الانسحاب: الهروب عن عوائق إشباع الدوافع والحاجات.



· أحلام اليقظة: اللجوء إلى عالم الحلم و الخيال بعيدا عن الواقع



· التحويل: تحويل الصراعات الانفعالية المكبوتة من خلال العمليات الحسية والحركية.



· التبرير: تفسير السلوك الخاطئ بأسباب منطقية.



· الإنكار: إنار لاشعوري للواقع المؤلم.



· (الإبطال): قيام الفرد بسلوك معاكس لما ارتكبه مسبقا



· الكبت: إبعاد الأفكار المؤلمة إلى حير اللاشعور



· النسيان: إخفاء المواقف غير المقبولة



· الإزاحة: إعادة توجيه الانفعالات المحبوسة نحو أشخاص غير الأشخاص الأصلية



· التعلية: اتخاذ بديل لتحقيق هدف أو سلوك غير مقبول اجتماعيا.



· التعميم: تعميم خبرة معينة على سائر التجارب.



· التكوين العكسي: التعبير عن الدوافع المستنكرة في شكل معاكس.



· الرمزية: اعتبار مثير لا يحمل أي معنى انفعالي رمزا لفكرة أو اتجاه مشحون انفعاليا.



· التقدير المثالي: المبالغة في التقدير ورفع الشأن بما يعمي الفرد عن حقيقة الشيء ويحرمه من الموضوعية.



نقد سارتر لمقولة "اللاّوعي".



إنّ أهمّ ما يمكن أن نستخلصه ممّا عرضنا من نظريّة فرويد في اللاّوعي، هو ضرورة أن نميّزه عنده بين فِعْلِيَّةِ السّلوك، وحقيقة السّلوك. ونريد بقولنا فعليّة السّلوك، الأفعال والأعمال الّتي يأتيها المرء، بماهي أفعال وأعمال خامّ وظاهرة متعيّنة بالإضافة للذّات، وبالإضافة إلى الذّوات الأخرى. أمّا المُرَادُ بحقيقة السّلوك، فهو المدلول أو المعنى الحقيقيّ له، أي العلّة المتخفّية وغير الظّاهرة فيه. فأنا، مثلا، قد آتي عملا ما، كأن أسرق كتابا من على رفّ المكتبة : وهذا الفعل منّي، لهو، من غير شكّ، فعلي أنا، وسلوكي أنا، متّحد بذاتي غاية الاتّحاد، ومتماه معها. إلاّ أنّ حقيقته نفسها، فهي ليست أنا، وذلك لأنّ ما قد يُفَسِّرُ مثل ذلك العمل منّي ليست فحسب تلك الظّاهرة في مُجَرَّدِيَّتِهَا، بل شيء آخر، أحقّ وأكثر فعليّة، وهو الهُوَ. فأنا هو الّذي، بلا شكّ قد سرق الكتاب، تماما مثلما أنّ هذا الفانوس، بلا شكّ، هو الّذي يضيء. لكنّماأصل الإضاءة في الفانوس، ليس هو الفانوس نفسه، بل هو المولّد الكهربائيّ، أي أنّ الفانوس إنّما هو فقط مجرّد متلقّي سلبيّ لفعل المولّد الكهربائيّ، فيلزم من ذلك أنّه ليس هو الّذي يضيء بالحقيقة، أي أنّه ليس الفانوس الّذي يفعل فعل الإضاءة، أو، بعبارة أخرى، ليس الفانوس الّذي يسلك سلوك الإضاءة. وكذلك الأمر فيما يتعلّق بفعل سرقة الكتاب، فلست أنا الّذي سلك ذلك السّلوك. يقول سارتر " إنّما أنا هو ظواهري النّفسيّة نفسها من حيث أعايناها في حقيقتها الموعى بها : فأنا، مثلا، هذا الدّافع لسرقة ذلك الكتاب من على الرفّ. إنّني متّحد به، واتّحد به بغاية اقتراف فعل السّرقة. لكنّ كلّ تلكم الواقعات النّفسيّة ليست هي أنا، لِمَا كنت أتلقّاها سَلْبِيَّ التلقّي، فأكون مضطرّا عندها لأن أضع الفرضيّات في أصلها وفي معانيها الحقيقيّة... ففعل السّرقة ذاك، إنّما هو في حقيقته صورة متفرّعة من فعل معاقبة الذّات.

ولكن لسائل أن يسأل، تُرى كيف تُفْهَمُ علاقة الهُوَ بالأنا، في فرضيّة علم النّفس التّحليليّ. هل تُفهم بنحو علاقة موضوع بوعي، أم بنحو علاقة وعي بوعي آخر ؟ لاشكّ أن جواب فرويد كان سيكون نافيا للوجه الأوّل، أي أنّه لايمكن له أن يقبل بتأويل الهُوَ بنحو الشّيء في ذاته الموجود بإزاء الوعي كمثل هذه الطّاولة وذلك الكرسيّ. فالهُوَ، كما كنّا قد رأينا، إنّما له أصناف شتّى من الفعل والسّلوك ؛ فهو أوّلا، يرغب، ويروم، ويتقبّض، وإلى غير ذلك. وثانيا، فهو يدرك أنّ الوعي الصّارم لا يتركه لِيَمُرَّ إلى الفعل مَا بَقِيَ على حقيقته المكشوفة، فيأخذ في التّقمّص، والتملّق، والمغالطة. ولكن، لعمري، هذه الأفعال كلّها الّتي نسبها فرويد للهُوَ، ليس يمكن البتّة أن يأتيها إلاّ موجود يكون على نمط الموجود لذاته، أي الوعي، وليس موجود يكون على نمط الوجود في ذاته، أي الشّيء. فإِذًا نستخلص من ذلك أنّ وضع الهُوَ في علاقته بالوعي، إنّما هو من سِنْخِ de même nature وضع وعي أوّل بوعي آخر. فتأمّلوا جيّدا اللّوازم الخطيرة لمثل ذلك التّأويل، ولمثل هذه النّظريّة. فنظريّة فرويد كانت تزعم بأنّ " الذّات ليست وعيا فقط "، وإنّما هي " وعي وهُوَ "، أي، وهذا هو اللاّزم الخطير، هي وعي ووعي آخر ؛ الوعي الأوّل يكون غير واع بالوعي الآخر، مع انّه هو الأصل فيه !!؟ فالنّتيجة الأخيرة إِذًا لكلّ هذه النّظريّة أنّ الذّات تصير منشطرة في نفسها، وأن تتلاشى وحدة السّلوك البشريّ آخِرَ التّلاشيّ.

ولنا أيضا أن نزيد ؛ هَبْ أنّ الأمر على ما تصفه النّظريّة التّحليليّة : أي أنّ الهُوَ هو حقيقة تقوم بذاتها في الذّات، وهي بما هي كذلك تكون غير موعى بها، مع كونها الفاعلة الحقيقيّة فيها، فهل كان ذلك يعني بالضّرورة أنّ السّلوك الإنسانيّ الواعي ما هو في آخر الأمر إلاّ أثر لفعل اللاّوعي ؟ فنحن نسأل : إذا كان الهُوَ، على ما تأكّده النّظريّة التّحليليّة نفسها، هو، على التّحقيق، " اللاّوعي "، فإنّ الهُوَ بما كان لاواعيا، يكون لا ــ وَعْيًا ؛ أي يكون بالذّات ما الوعي لايكون مُحِيطًا به. ولكن الفرضيّة الفروديّة هي تتحدّث أيضا عن أنّ الوعي من شأنه أن يقاوِمَ ويُعَانِدَ الهُوَ، كلّما اقترب للظّهور. ولكن، ليت شعري ؟ أيّ معنى لهذا الكلام ؟ أليس معناه أنّ الوعي إنّما يتصدّى باستمرار للهُوَ بما هو حقيقة ذات هويّة ينبغي للوعي أن يكبتها ؟ فالوعي لا يقاوم الهُوَ إلاّ لأنّه يكون على بيّنة من حقيقة الهُوَ، أي أنّ الوعي لا يكون نفيا للاّوعي إلاّ بالقدر نفسه الّذي يكون به واعيا باللاّوعي ؛ أي إلاّ بالقدر نفسه الّذي يذوب به وهم اللاّوعي في يقين الوعي.



الوعي عند هوسرل:



تقوم نظرية الوعي عند هوسرل على الابتعاد عن التجريبية والروح السايكولوجية التي تفسر الاحداث التاريخية، وتتوقف عند العمليات العقلية ، لتكشف تراكيب الوعي ذاته، والظاهرات نفسها، في محاولة لرفض الموضوعية حتى عن العلوم الطبيعية ، وكذلك استبداله للمعضلة الكانطية في عدم قدرة العقل على معرفة الاشياءالواقعة خارج حدوده، بان ما يدرك حسياً هو جوهر الاشياء وهذا ما يغنينا عن سواه.

هذا الايحاء بارتباط " الكينونة" بـ "المعنى" يؤدي إلى ان الشخص والشيء هما وجهان لعملة واحدة لانهما مرتبطان مع بعضها البعض، فلا وجود لاحدهما بمعزل عن الاخر.

هذا الحنين لجمع العقل والكون معاً، ضمن العقل ذاته هو " عزاء مناسب لمجتمع تبدو فيه الاشياء مغتربة ومفصولة عن الغايات البشرية ، والناس مغرورين في عزلة مقلقة". (ص 66). كان المعنى لدى هوسرل يسبق اللغة وهي نشاط ثانوي يسمي المعاني التي بحوزتنا! في حين نظر "فتيغنلشتاين" والمعاصرون بان اللغة تنتج المعنى، وحتى ان المعاني والخبرات فانها ـ أيضاً ـ موجودة لدينا منذ البداية ، لاننا نمتلك اللغة الحاوية لهذه المعاني. وما نظنه فرديا ما هو في حقيقته سوى تجربة اجتماعية تاريخية بمعناها العميق. ان نظرة هوسرل "الماهوية" تتعارض مع نظرة (هيدجر) الذي قدم عليها (الوجود) فانتقل من رقعة الفكر النقي، إلى فلسفة تتامل ما تشعر بانه حي. (ص 70) فالعالم ليس شيئا يمكن اذابته وتحويله إلى صورة ذهنية كالذي اعتقده هوسرل، بل انه كيان عصي على مشاريعنا، وان وجودنا هو جزء منه.

تخيل هوسرل موقعاً متسيداً للذات المبهمة، التي تطبع صورتها على العالم، بينما ابعد هيدجر هذه الذات، فالوجود "الانساني هو حوار مع العالم، واكثر الفعاليات اجلالاً هو الاصغاء وليس الكلام" ص (70).

فنحن نكتسب معرفتنا من طريق ارتباطنا بالعالم، وما النظرية سوى افكار تجريدية جزئية عن الاهتمامات الحقيقية، أي مثل "الفينومينولوجيا" مبحثه الفلسفي الاساس، بوصفه "علم اشكال الوعي وتامل الماهية والوجود الحق المطلق عامة".

وحاول تطبيق منهجه هذا في نظرية المعرفة، فحذف منها العياني والملموس في محاولة منه لدراسة بنية "الوعي المحض" تحليل "ظواهر" الوعي بما هو وعي. وهنا تختل العلاقة الموهومة التي اراد تكريسها ما بين الذات البشرية، والشيء (أو العالم بصفته الموضوعية " فيرجح من كفة الذات على حضور العالم. هذه الماهية الهوسرلية اعتبرها خصومها ضرباً من "المثالية" التي تتعارض مع طبيعة الفكر الواقعي، وانها شكل من اشكال الوعي البرجوازي ، الذي يعكس نسقاً خاصاً من المفاهيم البرجوازية العامة عن العالم وعن مكانة الإنسان ودوره وفق اساس نظري غير دقيق لرؤية العالم.



الوعي عند جاك لاكان:



جاك لاكان Lacan (المولود في 1901) لقد لاكان اتخذ موقفا انتروبولوجيا:من الممارسة للغة إذ أكد على الدور الحاسم للممارسة اللغوية ولنظرية اللغة في التحليل النفسي، متأثرا في ذلك بفرويد بحيث أسس لإعادة قراءة الفكر الفرويدي وأن يجعله مقروءا من طرف من ليسوا اختصاصيين في التحليل النفسي، مساهما بذلك في نشر الفكر التحليلي. ومن حيث إنه كان الوحيد تقريبا الذي استطاع أن ))يفهم التأثير الايديولوجي لفرويد خارج مجال العلاج النفسي، فقد أنشأ، بعد مايو 1962، نظرية الخطابات بصفة عامة. يقسم لاكان الخطابات إلى أربعة أنماط: خطاب السيد (Le disours du maître) وخطاب الهيستيري (Le discours de l'hysterique) وخطاب الجامعي (Le discours de l'Universitaire)، وأخير خطاب المحلل النفسي (Le discours du psychanalyste). الخطابان الأولان يشيران إلى علاقة السلطة (سلطة السيد) بالمعرفة (من حيث إن الهيستيري لا يمكن أن يشفى بواسطة المعرفة الطبية التقليدية، " فهو الذات المنشطرة، أو بعبارة أخرى فهو اللاشعور في حالة عمل، وهو يحرج السيد ويجعله ينتج معرفة (savoir)"؛ إن الاكتشاف الذي قام به فرويد، عبر الاضطرابات الهيستيرية، يدعو إلى التشكيك الجذري في كل من المعرفة والسلطة. فالجامعي والمحلل النفسي هما، في تعاصرهما، في موقعين متعاكسين: أحدهما هو موطن معرفة، والآخر موطن عدم معرفة. الجامعي هو ذلك الذي ينقل الثقافة كمعرفة؛ والمحلل النفسي - من حيث أنه "يجهل ما يعرف" - فهو ذلك الذي لا ينقل شيئا، اللهم إلا ضبطا يمارس على كل ثقافة: مثل هذا الخطاب هو ذلك الذي يسميه خطابا ينتمي إلى الحقيقة، الخطاب الذي يتلكم بواسطة اللاشعور والذي يجعل من التحليل النفسي علما يحاول إرساء أسسه. يمكن أن نجعل منظومة لاكان قائمة في العلاقة المتبادلة بين منطوقين خاصين به:



- اللاشعور هو خطاب الآخر،



- اللاشعور منتظم بنيويا على هيأة لغة.



الآخـر:



ليس المقصود بذلك شخصا آخر يكون لاشعوره هو الناطق باسمه. بل بالعكس فالآخرية (L’alterit) في المنظومة اللاكانية تبدو متطرفة، أي خالية من أي قوام إلهي أو بشري.



لآخر هو المكان الغريب الذي ينبثق منه كل خطاب: مكان العائلة، مكان القانون، مكان الأب في النظرية الفرويدية، أو مكان التاريخ والمواقع الاجتماعية، المكان الذي ترجع إليه كل ذاتية؛ أن نقول إن اللاشعور هو خطاب الآخر معناه إعادة التأكيد بصورة حتمية على أن الخطاب "الحر" غير موجود، وذاك هو القانون الذي يحكم كل خطاب. والآخر أيضا موقع في بنية الذات: إذ مثلما أن الآخر ليس ذاتا، بل مكانا وموقعا، كذلك فإن الذات ليست نقطة بل هي نتاج بنية مركبة. و لاكان ينشئ هذه البنية على حدث محدد بعينه يعترض الذات الفردية في مسارها وهو: مرحلة المرآة التي هي اكتشاف سريري قام به لاكان والتي تقع في المراحل الأولى من الطفولة (بين ستة وثمانية عشر شهرا). وعن طريقها يأخذ الطفل في الإحساس بذاته كذات مستقلة ويكتسب فيها صورته عن ذاته بالتعرف عليها في المرآة. والطفل ما يزال في هذه المرحلة تابعا كليا لمن يعوله وغير قادر على الكلام وعلى التغذية؛ إن تعرف الطفل على صورته في المرآة تجعله ينتقل من عدم الاكتفاء إلى الاستباق: استباق ما سيكون جسمه البالغ، كجسم مستقل وواقع في شبكة اللغة.



إن الانتقال الذي يقع في هذه المرحلة انتقال أساسي: فهو يضمن للذات صورة كاملة عن نفسها ويضع الأنا كهيأة نفسية لكنه يضعها - بتعبير لاكان - في "خط الوهم". إن الأنا كوهم fiction ينتج عن التواجه القائم في المرآة بين الذات والمسافة التي تفصلها عن صورها؛ إن الوهم يأتي أيضا من بنية الذات التي تتأكد من ثمة بذاتها. إن الهيئات النفسية التي يضعها فرويد: الأنا الأعلى، والأنا والهو تجد نفسها داخلة في علاقة تجعل التشبيه المكاني المتضمن فيها يختفي. فالأنا الأعلى يصبح هو الرمزي Le symbolique، مجال النظام والقانون، ومكان الخطاب الأبوي (وبذلك ينخرط التحليل النفسي في الانتروبولوجيا: إذ أن الرمزي هو نظام الثقافة بالمعنى الاتنولوجي)؛ والأنا يصبح هو المتخيل L’imaginaire، مكان الوهم، والحقيقة، والتغير، والملاحق التجميلية للذات التي هي ملاحق متحركة وهشة. والهو ليس له مكان إلا مجازا فهو المكان الذي ليس له مكان وهو العلة الغائبة للبنية، ويطلق عليه لاكان اسم الواقع Le réel؛ وإنتاجه يقع على مستوى موضوعات الرغبة. وموضوعات الرغبة، بالنسبة لفرويد، موضوعات متعددة، لكنها تابعة لعلاقة أساسية تحكم كل علاقة مع أي موضوع يدعوها لاكان العلاقة بالموضوع؛ وبالنسبة لميلاني كلاين ينقسم الموضوع إلى موضوع "جيد" وموضوع "سيء"، وفق علاقة متحركة وغير مستقرة تتوقف عليها علاقة الذات بالعالم. ويذهب لاكان بعيدا في إضفاء صبغة نسقية على الموضوع: فهو يطلق اسم "الموضوع أ الصغيرة" على الموضوع النوعي العام لكل موضوعات الرغبة: الجزئي والمنفصل، والمهمل؛ وهذا الموضوع هو الأثر والعلاقة الدالة على الغربة في قلب الذات، وهو علامة على قطيعة لا رجعية فيها: وهذا ما يجعل لاكان يطبعه بشرطة مائلة في الكتابة $ وهي العلامة الدالة على الانشطار الذي أشار إليه فرويد)).



مقتطف من مقاة جاك لاكاترين كليمان و التي ترجمها محمد سبيلا –مجلة فكر ونقد- العدد 6



III – الإيـديـولـوجـيا و الـوهــم



الإيديولوجيا: التعريفات







يرى بول ريكور(1913-2005) أن الإيديولوجيا ترتبط بثلاث استعمالات و يهم الاستعمال الأول معنى الاختلال و التشويه للواقع, و هو المعنى الذي يشيع بين عامة الناس و الذي كان مصدره الماركسية حيث تسند للإيديولوجيا معنى يجعل من الممارسة أساسا لها و أن الإيديولوجيا مصدر التشويه و القهر.



أما الاستعمال الثاني فربطه بول ريكور بالشكل الذي تظهر فيه الإيديولوجيا بالشكل الذي تظهر فيه هذه الأخيرة كظاهرة تشويهية و تزييفية بل يجعلها بول ريكور في هذه الحالة تبريرية أي أنها تحاول أن تتكلم بلسان الحاكم المسيطر و تشيد الشمولية و حين يبرز العنف داخلها تتحول الايديولوجيا إلى أداة قهر ونح الخوف أكثر من المظاهر العنيفة التي تخلفها طاحونة الصراع الطبقي. أما الاستعمال الثالث: فيربطه بول ريكور بما أسماه بالإدماج أي أن الجماعة تعمل على استدعاء ذكرياتها الأساسية باعتبارها أحداث أولية مؤسسة للهوية المحددة لهذه الجماعة , فهذا الاستعمال يساهم في تكوين عنصر جديد داخل بنية الذاكرة الجماعية.



إن بول ريكور يهدف من وراء تقسيماته هذه للإيديولوجية إلى تأكيد نقطة محورية لا تنفصل عن عملية الإيديولوجيا نفسها وهي حضور الوهم لتبرير وصفي لاسترداد الذكريات لتحقيق الإدماج.



أما علاقة الوعي بالوجود الاجتماعي فتك إشكالية أخرى من الفلسفة الماركسية إذ يؤكد رائد الماركسي كارل ماركس(1818-1883) على استحالة فصل وعي الناس بوجودهم الاجتماعي و يعطي ماركس للحياة الاجتماعية أهمية أساسية تحديد الوعي بل يجعلها هي التي تحدد الوعي فكيف ذلك؟



إن الإنسان عند الماركسيين كائن اجتماعي في جوهره, و بدون المجتمع لا يستطيع الإنسان العيش, إذ لا يمكنه أن ينتج الشروط الضرورية للحياة اللازمة لبقائه إلا في إطار المجتمع,



و لكن أدوات ذلك الإنتاج و مناهجه تعود لكي تحدد أول ما تحدد العلاقات الإنسانية, و خلاصة القول: إن كل مضمون للوعي الإنساني يحدده المجتمع و يعدل و يتغير و يتنوع بحسب التطور الاقتصادي .



أما بالنسبة لنيتشه(1844-1900) فهو يبرز الوعي الأكثر سطحية و سوءا بمعنى أن الوعي لدى الإنسان رغم تطوره في المستويات فإنه لا يدرك معنى وعيه لأفعاله و أفكاره ومشاعره, بل حتى حركاته فهو دائما يفعل نتيجة للإرادة قاهرة جاءت في صفة أمر (يجب عليك), و هو هنا يؤكد مقولة (النيهلستية) أو العدمية و تظل تسيطر على الإنسان فهو لا يعرف معنى الفكر الذي أصبح وعيا فالوعي عند نيتشه لا يعدو أن يكون أكثر من أجزاء الفكر السطحية و أكثرها سوءا.



إذا كان الوعي هو المؤول عن إعطاء صورة عن حياتنا الواقعية و طريقة تفكيرنا, فإلى أي حد يستطيع الوعي رسم صورة حقيقية عن واقعنا و ذواتنا؟ ألا تتدخل الإيديولوجية في تشويه الواقع و قلب الحقائق؟



1- الإيـــــــــــديـولـوجـيـا ...بــأي مـعـنـى؟



-ـ- أصل الكلمة:



لقد ظهرت لفظة الإيديولوجيا لأول مرة بفرنسا كعلم للأفكار , و يرجع الفضل في نحث المصطلح إلى دستوت دي تراسي (destutt de tracy) (1754-1836) إذ ارتبط به إبان الثورة الفرنسية لسنة 1789 , حيث أعطى لهذا المفهوم مدلولين اثنين و هما:



* مـــــدلـول فــــــلــــســفـــــي:



اعتبر فيه الإيديولوجيا علم أو شبه علم يقوم على الملاحظة و التجربة كنقيض لتفسير اللاهوت للعالم الذي يعتبره دو تراسي تفسيرا أوليا و طفوليا بينما الإيديولوجيا كما يتصورها تمثل التفكير الراشد و الناضج لارتكازها على الملاحظة و التجربة.



* مــــدلـول إبــيـسـتـمـولـــوجـــــي:



لقد أعطى دو تراسي مفهوما جديدا في كتابه ( مشروع عناصر الإيديولوجية) في بداية القرن 19 وهذا التعريف هو على الشكل التالي: « العلم الذي يدرس الأفكار بالمعنى الواسع لكلمة أفكار, أي مجموع واقعات الوعي من حيث صفاتها أو قوانينها و علاقاتها بالعلامات التي تمثلها لاسيما أصلها» , هكذا يبدو أن دو تراسي حاول أن يعطي للإيديولوجيا بعدا علميا باعتبارها نسقا من الأفكار



و التصورات البعيدة عن التمثلات اللاهوتية و الميتافيزيقية للعالم في كل الأحوال, فأصبحت الإيديولوجيا بهذا المعنى ضد الافكارو الأطروحات المحافظة, خاصة وأنها ارتبطت بالثورة الفرنسية و ما أحدثته من تغير في بناء المجتمع الفرنسي , و انعكاسات هذه الثورة على صعيد الأقطار الأروبية تأسيسا على الدلالات السابقة, و ضدا على مفاهيمها نحث نابليون مدلولا جديدا للإيديولوجيا حيث اعتبرها أفكار المشاغبين الذين كانوا ضد حكمه ومن ثمة أخذت معنى انتقاصيا لدلالتها مع دو تراسي إذ أصبح نابــليـــون يـــنـــعــت خــصـومـه بالإيديولوجيين و ذلك في إطار الصراع السياسي بينه وبين معارضيه . وفي هذا الصراع و السجال ظهرت ما سمي سجال المصطلحات أو الإيديوفوبيا أي الخوف الشديد من الأفكار, فإن كانت تعبر عن شيء فإنها تعبر عن احترام المصالح و المطامح , و أصل هذا الاحترام يعبر تعبيرا قويا عن المنحى الايديولوجي و على دور الايديولوجيا في تفعيل الصراع بين المصالح و المطامح.



أما لالاند فيعرف الإيديولوجيا بأنها « العلم الذي يتخذ موضعا له دراسة الأفكار, أي العلم الذي يبحث في صفات الأفكار و قوانينها و خاصة أصولها ».







2- الـــمـــاركــســيــة و الإيـــــــديـولـوجــــيـا.



إن الايديولوجية أخذت تكتسي شيئا فشيئا معنى خاصا ,فهي في نظر ماركس و رفيقه انجلز«ليست سوى التعبير الفكري عن العلاقات السائدة في المجتمع’ تلك العلاقات التي تجعل من طبقة ما الطبقة السائدة على الطبقات الأخرى.» بهذا المعنى فالايديولوجيا مجموع الأفكار الذي تسود المجتمع الطبقي و الذي ترسم بفعل الشروط المادية و الروحية القائمة على صورة ناقصة و مشوهة للعلاقات السائدة فيه و في هذا المعنى يقول أنجلز :«الإيديولوجيا هي نشاط فكري ذلك الذي يدعى مفكر واعي في حين أنه إنما يصدر عن وعي زائف مغلوط ذلك لأن القوى الحقيقية المحركة له تبقى مجهولة لديه, و إلا لما كان نشاطه الفكري ذاك إيديولوجيا ».إذن هي البناء الفكري النظري القائم على وعي مزيف لكونه يجهل مكوناته الموضوعية, هذا و قد وسع كل من ماركس و أنجلز فيما بعد مفهوم الإيديولوجيا فجعلاه البنية الفوقية برمتها لعصر من العصور التاريخية أي مجموع النتاج الفكري, من أدب و فن و فلسفة و دين و أخلاق و تشريع بحيث يسود مجتمعا من المجتمعات في عصر من العصور التاريخية.



إن لنين lenine : يميز بين الإيديولوجيا البرجوازية و البرجوازية الاشتراكية, أما الإيديولوجيا الأولى فهي النسق الفكري الذي تقيمه البرجوازية لتخدع به نفسها و تخدع غيرها من الطبقات المضطهدة, أما الإيديولوجيا الاشتراكية فهي المذهب الذي يقود كفاح الطبقة العاملة و تنير لها الطريق و الذي يأتي من الممارسة النظرية , من المثقفون الثوريون الذين ربطوا مصيرهم بنضال و كفاح الطبقكــارل مـانــهايـم







يفرق مانهايم بين الإيديولوجيا الجزئية أو الخاصة, و الإيديولوجيا الكلية أو العامة فالأولى تعني مجموع الأفكار التي يعتنقها الشخص و التي يرى من خلالها حضوره مجرد غطاء شعوري لتحقيق الموقف الذي يصدر عنه , و الذي لا يعبر بصراحة لأنها تعارض مصالحه, فهي بهذا المعنى تبريرية تعمل على صرف النظر عن فحواها.



أما الإيديولوجيا الكلية هي مجموع التصورات التي تعتنقها جماعة ما تبريرا لموقفها داخل المجتمع.



من خلال ما سبق يتضح على أن الإيديولوجيا تحمل مجموعة من التأويلات و القراءات للأفكار و للبناء الفوقي عموما. فهذا بول ريكور(1913-2005) يرى أن الإيديولوجيا ترتبط بثلاث وظائف يأخذ الإستعمال الأول معنى الإختلال و التشويه للواقع و هو المعنى الذي يشيع بين عامة الناس و الذي كان مصدره الماركسية حيث تسند للإيديولوجيا معنى يجعل من الممارسة أساسا لها و أن الإيديولوجيا مصدر التشويه و القهر.



أما الاستعمال الثاني فربطه بول ريكور بالشكل الذي تظهر فيه الإيديولوجيا بالشكل الذي تظهر فيه هذه الأخيرة كظاهرة تشويهية و تزييفية بل يجعلها بول ريكور في هذه الحالة تبريرية أي أنها تحاول أن تتكلم بلسان الحاكم المسيطر و تشيد الشمولية و حين يبرز العنف داخلها تتحول الايديولوجيا إلى أداة قهر ونحت الخوف أكثر من المظاهر العنيفة التي تخلفها طاحونة الصراع الطبقي. أما الاستعمال الثالث: فيربطه بول ريكور بما أسماه بالإدماج أي أن الجماعة تعمل على استدعاء ذكرياتها الأساسية باعتبارها أحداث أولية مؤسسة للهوية المحددة لهذه الجماعة , فهذا الاستعمال يساهم في تكوين عنصر جديد داخل بنية الذاكرة الجماعية.



إن بول ريكور يهدف من وراء تقسيماته هذه للإيديولوجية إلى تأكيد نقطة محورية لا تنفصل عن عملية الإيديولوجيا نفسها وهي حضور الوهم لتبرير وصفي لاسترداد الذكريات لتحقيق الإدماج.



أما علاقة الوعي بالوجود الاجتماعي فتك إشكالية أخرى من الفلسفة الماركسية إذ يؤكد رائد الماركسي كارل ماركس(1818-1883) على استحالة فصل وعي الناس بوجودهم الاجتماعي و يعطي ماركس للحياة الاجتماعية أهمية أساسية تحديد الوعي بل يجعلها هي التي تحدد الوعي فكيف ذلك؟



إن الإنسان عند الماركسيين كائن اجتماعي في جوهره, و بدون المجتمع لا يستطيع الإنسان العيش, إذ لا يمكنه أن ينتج الشروط الضرورية للحياة اللازمة لبقائه إلا في إطار المجتمع,



و لكن أدوات ذلك الإنتاج و مناهجه تعود لكي تحدد أول ما تحدد العلاقات الإنسانية, و خلاصة القول: إن كل مضمون للوعي الإنساني يحدده المجتمع و يعدل و يتغير و يتنوع بحسب التطور الاقتصادي .



أما بالنسبة لنيتشه(1844-1900) فهو يبرز الوعي الأكثر سطحية و سوءا بمعنى أن الوعي لدى الإنسان رغم تطوره في المستويات فإنه لا يدرك معنى وعيه لأفعاله و أفكاره ومشاعره, بل حتى حركاته فهو دائما يفعل نتيجة للإرادة قاهرة جاءت في صفة أمر (يجب عليك), و هو هنا يؤكد مقولة (النيهلستية) أو العدمية و تظل تسيطر على الإنسان فهو لا يعرف معنى الفكر الذي أصبح وعيا فالوعي عند نيتشه لا يعدو أن يكون أكثر من أجزاء الفكر السطحية و أكثرها سوءا.



إذا كان الوعي هو المؤول عن إعطاء صورة عن حياتنا الواقعية و طريقة تفكيرنا, فإلى أي حد يستطيع الوعي رسم صورة حقيقية عن واقعنا و ذواتنا؟ ألا تتدخل الإيديولوجية في تشويه الواقع و قلب الحقائق؟



إن السؤال الذي يفرض نفسه هل يمكن التحرر من الإيدولوجيا في العلوم الإنسانية؟