lunedì 7 marzo 2011

دروس فلسفيه لتلاميذ البكالوريا : التبادل

محاور الدرس




1) التبادل خاصية إنسانية.



2) التبادل و المجتمع.



3) التبادل الرمزي.




إن التبادل ظاهرة إنسانية بامتياز لا يمكن حصرها في إطار مستوى معين؛ فمن الصعب القول إنها ظاهرة اقتصادية فقط, أو اجتماعية فقط, أو انثروبولوجية بالحصر. و الوصف الأليق بها وصفها بأنها ظاهرة إنسانية كما تقدم؛ فلما كان المجال الذي تتم فيه هو المجتمع درسها علماء الاجتماع انطلاقا من هذا الأساس, و باعتبار أن موضوع التبادل عادة ما يكون مواد استهلاكية قابلة للقياس الاقتصادي, درسها علماء الاقتصاد من هذه الناحية, و لما كانت تعبيرا عن ثقافة الإنسان الممارس لها تناولها الأنثروبولوجيون بالبحث و الدراسة. و إذا كان التبادل ظاهرة إنسانية بامتياز و اللغة كذلك, فسيكون من المثير مقاربة التبادل من الجانب اللغوي, مما سيغني معرفتنا بهذا المفهوم.



جاء في معجم "لسان العرب" لـ "ابن منظور": " البَدِيل البَدَل, و بَدَلُ الشيء غَيْرُه (...) بِدْل الشيء و بَدَله و بَدِيله الخَلَف منه, و الجمع أَبدال؛ قال "سيبوبه": " إِنَّ بَدَلك زَيد أَي إِنَّ بَديلك زَيْد" قال: " و يقول الرجل للرجل اذهب معك بفلان فيقول معي رجل بَدَلُه أَي رجل يُغْني غَناءه و يكون في مكانه", و تَبَدَّل الشيءَ و تَبدل به و استبدله و استبدل به كُلُّه اتخذ منه بَدَلاً". إن هذه الدلالات تركز على العناصر المستلزم وجودها في كل تبادل, و هي الشيء المبدل أو المستبدل و المبدل به, هذا بالإضافة إلى الأطراف الفاعلة في التبادل باعتبارهم ذواتا مريدة. و قد جاء في نفس المعجم " و بدّله الله من الخوف أَمْناً, و تبديل الشيء تغييره و إِن لم تأْت ببدل, و استبدل الشيء بغيره و تبدَّله به إِذا أَخذه مكانه, و المبادلة التبادُل, و الأَصل في التبديل تغيير الشيء عن حاله, و الأَصل في الإِبدال جعل شيء مكان شيء آخر كإِبدالك من الواو تاء في تالله, و العرب تقول للذي يبيع كل شيء من المأْكولات بَدَّال (...) و قد جعلت العرب بدَّلت بمعنى أَبدلت, و هو قول الله عز وجل: ﴿أُولئك يبدّل الله سَيِّئاتهم حسنات﴾ أَلا ترى أَنه قد أَزال السيئات و جعل مكانها حسنات ؟ (...) وقال "الليث": "استبدل ثوباً مكان ثوب وأَخاً مكان أَخ ونحو ذلك المبادلة".



من خلال ما سبق يتضح الجانب الإيجابي من التبادل؛ فالإنسان لا يتبادل إلا قصد الحصول على ما هو أحسن و أفضل بالنسبة له, و من ناحية دينية هناك تجارة بين الله و بين الإنسان, و التجارة وجه من وجوه التبادل, فإذا كانت هذه التجارة رابحة بالنسبة للإنسان أبدل الله سيئاته حسنات, هذا مقابل أن يؤمن الإنسان بالله و يتبع سبيله فلا يبدله و لا ينحرف عنه, ليكون بذلك من الأبدال؛ جاء في "لسان العرب": " و الأَبدال قوم من الصالحين بهم يُقيم اللهُ الأَرض, أَربعون في الشام و ثلاثون في سائر البلاد, لا يموت منهم أَحد إِلا قام مكانه آخر, فلذلك سُمُّوا أَبدالاً, و واحد الأَبدال العُبَّاد, بِدْل وبَدَل, و قال "ابن دريد": " الواحد بَدِيل (...)وبَدَّل الشيءَ حَرَّفه, و قوله عز وجل: ﴿و مـا بَـدَّلوا تبديلاً﴾" يستخدم البدل بمعنى البديل, و قد يستخدم بمعنى الوجع؛ ورد في "لسان العرب" قول "ابن منظور": " و البَدَل وَجَع في اليدين و الرجلين, و قيل وجع المفاصل و اليدين و الرجلين بَدِل بالكسر يَبْدَل بَدلاً فهو بَدِلٌ إِذا وَجِع يَديه و رجليه, (...) و يقال للرجل الذي يأْتي بالرأْي السخيف : "هذا رأْي الجَدَّالين و البَدَّالين", و البَدَّال الذي ليس له مال إِلا بقدر ما يشتري به شيئا,ً فإِذا باعه اشترى به بدلاً منه يسمى بَدَّالا".







و هذه الدلالات التي ذكرناها نجد باقي المعاجم تتفق حولها؛ يقول "الزمخشري" في "أساس البلاغة": " بدل الشيء غيره, (...) و استبدلته و بادلته بالسلعة إذ أعطيته شروى ما أخذته منه, و رب بدل شر من بدل و هو وجع في العظام, (...) و هو من الأبدال أي الزهاد".



و في "الصحاح" لـ "الجوهري" نقرأ ما يلي: "البديل البدل, و بدل الشيء غيره, (...) و تبديل الشيء أيضا تغييره و إن لم يأتي ببدل, (...) و المبادلة التبادل, و الأبدال قوم من الصالحين".



و نفس الشيء وارد في معجم "العين" لـ "الخليل ابن أحمد الفراهيدي": "البدل خلف من الشيء, و التبديل التغيير, و استبدلت ثوبا مكان ثوب و أخا مكان أخ و نحو ذلك المبادلة".



أما "الزبيري" في " تاج العروس" فنراه يذكر بعض الدلالات النحوية اللغوية للجذر ب.د.ل, يقول في معجمه: " حروف البدل أربعة عشر حرفا: حروف الزيادة ما خلا السين و الجيم و الدال و الطاء و الصاد و الزاي, يجمعها قولك: أنجدته يوم صال زط, و حروف البدل الشائع في غير إدغام أحد و عشرون حرفا...".



و في "جمهرة اللغة" لـ "إبن دريد": " بادلت الرجل مبادلة و بدالا إذا أعطيته شروى ما تأخذ منه, (...) و البادل لحم الصدر واحدتها بادلة"



بالرغم من أن ظاهرة التبادل قد خضعت كغيرها من الظواهر الاجتماعية للتغير والتطور فأصبحت لها أشكال عديدة وصور مختلفة ودلالات متعددة إلا أن السمة الغالبة كما يرى مارسيل "موس" في التبادلات هي تلك الوظائف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والرمزية, و يضيف "موس" من خلال دراسته حول المجتمعات البدائية أن التبادلات قد تبدو أنها تقدم عن تفضل وإرادة بينما هي في حقيقة الأمر ليست اختيارية بل جبرية ولغرض معين ولذلك أطلق عليها موس التبادلات الإلزامية{[1]}.



إن التبادلات الإلزامية هي التي تأخذ عنصر الإلزام والإجبار بمعنى أنه يتحتم على الشخص يردها بأخرى مماثلة أو بما يساويها في القيمة او أكبر منها, و تأخذ ظاهرة الإلزام في المجتمعات البدائية ثلاث مظاهر : العطاء والأخذ والرد. أي الالتزام بتقديم التبادلات {الهدية كنمودج}والالتزام بقبولها والالتزام بردها وهذه الثلاث مظاهر مرتبطة بشكل كبير في المجتمعات البدائية .



ففي جزر فيجي جنوب ميلانيزيا يوجد نظام للتبادل يسمى ألكيري كيري حيث خلاله لا يمكن رفض أي شيء من أحد فيقع تبادل الهدايا بين الأسرتين أثناء الزواج . أما مجتمعات الهنود الحمر في الشمال الغربي لأمريكا فيلتزم زعماء القبائل بتقديم تبادلتهم (روح البوتلاش) عن الأبناء والبنات وأرواحهم وأرواح الأسلاف التي يجب إرضاؤها حتى تبارك زعامة الرجل. وكذلك الالتزام بقبول التبادلات وإلا يكون ذلك دليل على الخوف من عدم القدرة على الرد لاحقاً . وقد يرفض الزعيم قبول الهبة إمعاناً في إظهار مكانته السامية على أساس أنه فوق قبول هبة من أدنى. فالالتزام هنا يتضمن إقامة الحفل الذي يدعى إليه أثرياء القوم ويوفر لهم الطعام ويقدم لهم الهبات. ويتضمن أيضاً الالتزام برد الدعوة وذلك عن طريق إقامة حفل لاحق{[2]}.



وكذلك تتبع الهبات التي يتبادلها الميلانيزيون في الكولا نفس الأسلوب إذ أنها إلزامية لأن الشركاء يتبادلون الهبات والزيارات والخدمات والحماية الأمنية والسحر ويتوقعون من شركائهم أن يقوموا بنفس الشيء عندما يذهبون إليهم في جزرهم. وهناك علاقة شبيهة بالكولا على أساسها تقوم مبادلات منتظمة وجبرية بين الشركاء من قبائل زراعية من جهة وقبائل بحرية من جهة أخرى . فالشريك الفلاح يأتي ليضع منتجاته أمام شباك شريكه الصياد. و على هذا الأخير بعد أن يقوم بصيد وفير أن يذهب إلى القرية ليقدم لشريكه الفلاح مقابل هديته محصول صيده.



و نستطيع أن نرى من الأمثلة السابقة أن التبادلات في المجتمعات البدائية نادراً ما يكون اختياراً وحتى لو بدأ لنا أن هذه الهدايا تعطى لوجه الهبة والعطاء فأنها تعطى في الحقيقة لوجود صفة الإلزامية فيها والتي لا يستطيع أي فرد في المجتمع البدائي أن ينكرها وإلا يتهم بالخوف من الرد . وقد بلغ الأمر في بعض المجتمعات إلى حد طرد المرأة التي لم يحسن أقاربها العطية رداً عما تلقوه في عملية المصاهرة.



ويرى موس أن التبادلات مهما كان نوعها أو شكلها ومهما كانت نوعية المناسبات التي تقدم فيها وحتى عندما لا يكون الذي توهب إليه في حاجة مادية إليها إنما تتضمن بالضرورة نوعاً من الالتزام تفرضه على المعطى له وتتطلب منه أن يقوم بردها إما بما يساويها في القيمة أو أكبر منها في القيمة . ولقد حاول موس أن يتوصل إلى تفسير علمي لخاصية الجبر والإلزام في التبادلات. وفهم القواعد والقوانين التي تحكم هذه الظاهرة وتجعل منها شيئاً جبرياً وليس اختيارياً . وأخيراً توصل هذا الانثروبولوجي إلى أن هذه الصفة الإلزامية في تبادل الهدايا في المجتمعات البدائية ترجع إلى عدة عوامل نذكر منها:



1 – أن الشيء المعطى كائن له روح وتكمن فيه قوة تحركه وهو مرتبط بصاحبه الأول، فإذا أعطى فإن روح الشيء نفسه تضمن رجوعه أو رجوع ما يعادل قيمته إلى مالكه الأول.



2 – وجوب العطاء ووجوب الأخذ ووجوب الرد فوجوب العطاء مرجعه أن الشيء بما أنه متداخل مع صاحبه ومتكامل معه فإن إعطاءه يعتبر تعبيراً عن رغبته في التقرب إلى الشخص المعطى له والتحالف معه . ووجوب أخذ الشيء المقدم هو بمثابة تعبير عن قبول هذه المحالفة والمشاركة والقرابة التي عرضها المعطي . والامتناع عن العطاء والأخذ معناه رفض المشاركة والتحالف وذلك في حكم إعلان الحرب الخاصة أو العامة .



3 – مفهوم القربان والصلة بينه وبين الهبات ، فالقربان هو الهبة إلى الناس لوجه الآلهة والطبيعة وقد يكون أحياناً لوجه الآلهة والأرواح كثمن للحصول على الأمان والسلام{[3]} فالاعتقاد عند الكثير من المجتمعات البدائية أن التبادلات{الهبة كمثال} تكمن فيها قوة روحية تتسبب في رجوعها إلى معطيها الأصلي وهذه هي إحدى المفاهيم التي حاول الأنثروبولوجيين دراستها وبحثها . والسبب الآخر هو أن إعطاء الهبة وقبولها وردها يعني الرضا بقبول العلاقة مع المتبادل معه والدخول في أحلاف وصداقة أو قرابة . والرفض يعني علنياً عدم قبول هذه الصداقة أو التحالف. وهذا ما يجعل من تبادل الهبات شيئاً مقدساً وإلزامياً في المجتمعات البدائية . ففي جزر التروبرياند يدخل سكان الجزر في تحالفات سياسية وتفرض عليهم عملية التبادل المستمرة عدداً من الحقوق والواجبات والالتزامات المتبادلة وبذلك تخلق نوعاً من العلاقات الواسعة الممتدة بين القبائل المختلفة . وبما أن التبادلات تعتبر ظاهرة اجتماعية إذاً لابد أن لها من وظائف وسنحاول أن نعرض لبعضها هنا.



الوظائف الانتربولوجية للتبادلات{الهبة كنموذج}:



1 –وظائف لها علاقة بالشرف والسمعة :



إن التبادلات{الهبة}ترتبط في تقديمها وفي قبولها بنوع من الشرف والسمعة وذيوع الصيت. وذلك كما في نظام " البوتلاتش" السائد في عدد من قبائل الهنود الحمر الذي يرتكز في أساسه على أن يقوم الشخص من ذوي المكانة والمركز الاجتماعي بتوزيع نوع من الأغطية على أقاربه الذين لا يلبثون بعد انقضاء فترة من الزمن أن يردوا إليه هذه الأغطية بعد أن يضيفوا إليها أعداد أخرى كبيرة قد تصل إلى أضعاف ما أخذوه منه في الأصل . ويهدف ذلك إلى اكتساب المزيد من الشرف والسمعة الطيبة وذيوع الصيت عن طريق المدح والإعطاء والمبالغة في الرد ويلجأ الشخص إلى إحراق الكثير من ممتلكاته وإحراق هذه الأغطية ذات القيمة الاجتماعية العالية ليدلل على إستها نته بالأشياء المادية التي تؤلف ثروة الرجل العادي. و كلما أهدر الشخص هذه السلع المادية وقام بإحراقها أو إتلافها كلما ارتفعت مكانته في المجتمع . ويتضح ذلك أيضاً عند مجتمع " التيف " من خلال تبادلهم الهدايا وإزالتها عن طريق استهلاكها بالاستعمال الشخصي أو في إقامة الحفلات بحيث لا تعود تعتبر عنصراً من عناصر التبادل . فإن عملية الإزالة بهذه الطريقة تؤدي إلى رفع مكانة صاحبها



2 –وظائف توطيد العلاقات الاجتماعية :



إن في تبادل الهبات توطيد للعلاقات الاجتماعية حيث في مجتمع " التيف " قد يضطر الفرد أحياناً إلى أن يستبدل بعض السلع ذات الفئة الاجتماعية المنخفضة بسلع ذات قيمة اجتماعية عالية تحت وطأة الظروف الخاصة التي يعيش فيها وبخاصة فيما يتعلق بالتزاماته نحو أقاربه أو حاجة هؤلاء الأقارب الماسة إلى تلك السلع رقم أنها لا تتمتع بقيمة مساوية لتلك السلع التي اضطر للنزول عنها . وأن المجتمع ينظر بعين الاعتبار إلى الشخص الذي يعمل على تحويل ثروته من السلع الدنيا إلى السلع ذات القيمة الاجتماعية . ومجتمع التيف يحتقرون الشخص الذي تنحصر كل ممتلكاته وكل ثروته في السلع الخاصة بالقوت والمعيشة والسبب في ذلك يرون أنه عجز في الشخص عن أن يحقق مثل ذلك العمل الذي يقدره المجتمع.



ويسلك التبادل في نظام " الكولا " مسلك الأصدقاء إلا أن الحقوق والواجبات والالتزامات المفروضة على أطراف التبادل تتفاوت تبعاً للمسافة التي تفصل الجزر والقرى عن بعضها البعض وكذلك تبعاً للمركز الذي يشغله الفرد . فإن الرجل العادي يدخل في علاقات على مقربة منه أي مع أقربائه وأصدقائه بينما الرجل الغني تتشعب علاقاته إلى حد كبير نظراً لمكانته الاجتماعية العالية . وكأن كل طرف من أطراف التبادل في نظام الكولا الذي يعيشون في جزر متفرقة تفصل بينهما البحار يعتبرون حلفاء يناصرون بعضهم البعض في أوقات الشدائد إلى جانب القيام بواجبات الضيافة . بالإضافة إلى أن نمط التبادل نفسه كثيراً ما يكون دليلاً على وجود علاقة اجتماعية من نوع معين بالذات مثلاً في تبادل الهبات .



3 –وظائف اقتصادية :



إن نظام التبادل الشعائري يتبعه مقايضة لسلع تجارية كنشاط ثانوي . ويجري التبادل في الكولا بالسلع القيمة وهي العقود والأساور المصنوعة من المحار بين شركاء الكولا . وعلى الرغم من أن هذا النظام يعتبر نظام شعائري بالدرجة الأولى ولا تحصل فيه المساومة إلا أنه يوجد فيه تبادل لسلع تجارية ثانوية .



فحينما يشرع أحد أفراد الحلقة في زيارة شركائه في الاتجاه المقابل، فإنه يحمل قاربه ما استطاع من أطعمة ومصنوعات مادية منتجة محلياً لبيعها في هذه الرحلة. وبعد انتهاء الإجراءات الصورية المتعلقة بهدايا الكولا فإن هذه السلع تخضع للمساومة وتباع للآخرين بحيث يكون الطرفان المتاجران على درجة من الرضا بصفقاتهما.



4 –وظائف لها علاقة بالمركز الاجتماعي :



يرتبط تبادل الهبات بالمركز الاجتماعي في الكثير من المجتمعات . ففي مجتمع التيف يتبع الأشخاص عدة طرق للحصول على المزيد من المكانة الاجتماعية . فقد يلجأ ون إلى إزالة السلع وتدميرها أو تحويلها إلى أشكال أخرى بحيث لا تصبح سلعاً من سلع التبادل . فقضبان النحاس الأصفر يمكن تحويلها إلى أنواع أخرى من الحلي ، والأبقار والماشية يمكن ذبحها في المناسبات المختلفة ، أما القماش الأبيض الذي يقيم له التيف وزناً كبيراً فيستهلك بالاستعمال الشخصي . وقد اعتقد بعض الانتربولوجيون أن الأفراد في المجتمعات البدائية يلجأ ون إلى تجميع السلع للحصول على المزيد من المكانة الاجتماعية ولكن - حسب موس- هذا اعتقاد خاطئ . فالرجل البدائي يسعى للحصول على السلع ولكنه لا يحتفظ بها لنفسه بل يتخلص منها بعدة طرق كما ذكرنا . ومن هذه الطرق الإزالة والتدمير والتحويل . وكلما ارتفعت قيمة الهبات المقدمة كلما ارتفعت مكانة الشخص الاجتماعية ، وتزيد أيضاً مكانة الشخص الاجتماعية بزيادة كمية الثروة الموزعة في المناسبة وليس في ادخارها والمحافظة{[4]}.



مما سبق يتضح أن التبادلات بمختلف أشكالها{الهبة،البوتلاش،الكولا...}تؤدي وظائف مختلفة في المجتمعات البدائية،لكن هده الوظائف لا يمكن حصرها في المجتمعات البدائية ،وقد أدى اختلاف وتنوع أشكال التبادلات في المجتمعات المعاصرة ،إلى تعدد وظائفها داخل المجتمع فإضافة إلى الوظائف السابقة تداخلت عناصر أخرى ومنها البعد الرمزي الذي أصبح يشكله التبادل.



رؤية أنتربولوجية لقداسة التبادل:



إن التبادل الذي يتم بين أفراد المجتمع تصاحبه دائماً بعض الطقوس والشعائر. فهذه الطقوس تعمل على حفظ حقوق أطراف العلاقة في الأخذ والرد ولذلك فإنها تحقق الاستقرار وتدعم أواصر العلاقات داخل مجتمع القبيلة. بالإضافة إلى أن هذا النظام الشعائري يهدف إلى اكتساب المزيد من الشرف والسمعة الطيبة وذيوع الصيت عن طريق المنح والإعطاء والمبالغة في الرد والدليل على ذلك أن الشخص كثيراً ما يلجأ إلى إحراق الأغطية ذات القيمة الاجتماعية العالية وأحياناً أخرى قد يحرق بعض ممتلكاته ليدلل على استهانته بالأشياء المادية ويدعو غيره من الأشخاص الذي يحضرون حفل البوتلاتش إلى مجاراته في أعماله .



وكنموذج لقداسة التبادلات نأخذ نظام الكولا الذي هو نظام شعائري تتبعه بعض القبائل المالينزيه التي تعيش في منطقة جزر واحدة تنتشر على شكل حلقة وتكون دائرة مغلقة للتبادل. وفي نطاق هذه الدائرة يتبادل الملاينزيون مجموعتين من السلع . مجموعة السولافا " المحار " ومجموعة الموالي " إسورة " وتسير السولافا في اتجاه عقارب الساعة بينما تسير الموالي في الاتجاه المعاكس ويتم تبادل هاتين السلعتين في كل نقطة من نقاط الدائرة ويتبع ذلك حفلات ومراسيم وطقوس وسحر . ويقوم الزائر وخاصة إذا كان من ذوي المكانة الرفيعة بتقديم هداياه من النقود مثلا للشخص الذي اعتاد التبادل معه ويأخذ معه في مقابل ذلك بعض الأساور التي تهدي إليه نظير هبته في هذا الحفل الرسمي الكبير الذي أقامه أهل الجزيرة . والمشتركون في عملية التبادل هذه يستلمون الأشياء لفترة من الزمن ولكنهم لا يستطيعون أن يحتفظوا بها إلى الأبد لأنه يتوجب عليهم تمريرها في خط السير المرسوم لها كما تجري العادة .



وقد يذهب الرجال في رحلات الكولا خالي الوفاض لا يحملون أي هدايا ليقدموها إلى شركائهم بل ليقدموا بذهابهم تذكرة بأن عليهم دين شرف قد آن أوان سداده . يتحقق النجاح في الكولا كما يظن من يمارسونها بإجراء طقوس سحرية لتهدئة الشريك وجعله يشعر بأنه كريم يستطيع أن ينتظر . والأسس التي يقوم عليها هذا التبادل المؤجل هو أن كل هدية تقدم يجب أن تساوي الهدية المستلمة . وهذا واجب مقدم الهدية فهو الذي يجري التقديرات .



ويحدث أحيانا أن يتأخر الشخص في رد الهبة المناسبة ولذلك يتوجب عليه أن يقدم بعض الهدايا الصغيرة من حين لآخر حتى تتاح له فرصة تقديم الهدية المناسبة . والملفت فيها ما يدل على تفكير الناس في أمور الربح والكسب والمساومة . ومع أن الكولا يصحبه أحيانا نظام مقايضة تجاري ثانوي لسلع تجارية ضرورية وكذلك يصحبه تبادل هدايا وخدمات إلا أن هذا التبادل التجاري ليس هو الأساس الذي تقوم عليه الكولا .



ويميز الأهالي بين الكولا والمقايضة ولذلك يعيبون احياناً على الشخص طريقته في تبادل الكولا فيقولون أنه " يقوم بالكولا كما لو كان يقوم بعملية مقايضة " فهذه العملية ليست عملية تجارية تقوم على المساومة أو إلى حساب أو تقدير قيمة الهدية . والمبدأ الآخر هو أن العرف والتقاليد تحتم على الرجل الذي يقبل هبة من شخص آخر أن يرد إلى المهاب له ما يقابل هبته ويرى مالينوفكسي أن شريك الكولا يشتري المجد كما يشتري الصداقة فشركاؤه الذين يعيشون في جزر نائية يستطيع أن يعتبرهم حلفاء ويتوقع منهم الحماية . فالمكاسب الاجتماعية بما فيها الحصول على الشهرة والصيت هي الاساس في هذه العملية . فالتبادلات في هذه الحالة يؤكد الروابط الاجتماعية والهدايا لا تعطي اعتباطاً وانما هي تقدم لمقابلة بعض الالتزامات الاجتماعية المحددة .



ونجد ذلك دراسة بول بوهانان . والتيف قبائل تعيش في وسط وادي بنيو في نيجيريا الشمالية وتعتمد هذه القبيلة على محصولات القوت والمعيشة من خلال ممارسة الزراعة. ولكنهم يستكملون معظم احتياجاتهم الأخرى من عدد كبير من الأسواق المجاورة التي تعرض فيها مختلف السلع،بحيث تأخذ هده التبادلات بعد ودلالة ومقدسة،من المفروض والواجب على المشتغلين بالزراعة تقديم محصلهم وفي اعتقادهم أنه يتقربون إلى الآلهة،ونجد أصحاب المواشي نجد لهم نفس الاعتقاد ،الشيء الدي يضفي على التبادلات صفة القداسة.



ما يفهم من لفظ التبادل في المجال الفلسفي يختلف باختلاف الأنساق الفلسفية و السياق التاريخي الذي جاءت فيه, و آية ذلك أن كل مفهوم في الفلسفة يحمل طابع الفلسفة التي أنتجته و لا يفهم المقصود منه إلا بإرجاعه إلى السياق التاريخي و المذهب الذي ورد فيه و على هذا الأساس نجد "جبراييل مارسيل" يؤكد أن التبادل خاصية إنسانية تؤسس للوجود الأصيل. فالوجود الحق لا يقوم إلا على نوع من التبادل بين الأنا و الآخر, بيد أن التبادل هنا لا يعني النظر إلى الآخر بوصفه موضوعا أو أداة في خدمة الأهداف, كما لا يعني النظر إليه على أنه غاية في ذاته أو أن له قيمته الخاصة به و التي لا تعادل قيمتي, بل إن التبادل هنا يعني الحوار مع الآخرين و التواصل معهم, كما يعني المشاركة و المحبة و عن طريقه ندرك شخصيتنا و نؤسس لوجودنا الحقيقي. كما يؤكد "جبراييل مارسيل" أن حدود التبادل لا تقف عند حوار الأنا مع الغير بل يمتد إلى تبادل أرقى يجمع بين الأنا و الغير.



و هذا "ماركس" كارل يؤكد أن المجتمع الإنساني يقوم على أساس تبادل المنتجات؛ لهذا يعتبر التبادل المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه كل نظام اجتماعي, ذاك أن الإنسان تكون لديه حاجات أساسية ينبغي إشباعها لحفظ بقائه, لهذا يتجه نحو الطبيعة لتحقيقها, و من هنا الدخول في علاقة جدلية مع الطبيعة. و لكن ضعفه و ضغط الحاجة يدفعه إلى الدخول في نوع من التبادل الاجتماعي مع الغير و القائم على التفاعل بين الطبقات الاجتماعية قصد استغلال الطبيعة. إلا أن انقسام المجتمع إلى طبقات ( طبقة مالكة لوسائل الإنتاج و طبقة عاملة) يجعل التبادل قائما على المنفعة و الاستغلال. و تختلف مظاهر التبادل باختلاف أنماط الإنتاج عبر التاريخ, لكن معظمها يعبر عن تفاعل قائم على الصراع و الاستغلال و المنفعة:



- نمط الإنتاج القديم : التبادل بين الأسياد و العبيد



- نمط الإنتاج الإقطاعي: التبادل بين العسكريين و الأقنان.



- نمط الإنتاج الرأسمالي: التبادل بين أصحاب وسائل الإنتاج و العمال.



و إذا عدنا إلى الفلسفة الحديثة "توماس هوبز" ينظر للتبادل على أنه خاصية إنسانية لم تتمظهر إلا عند الاجتماع البشري وفق عقد اجتماعي ينظم طبيعة التفاعل و التواصل بين أفراد المجتمع الذين كانوا سابقا يعيشون حالة حرب فيما بينهم منعت قيام أي شكل من أشكال التواصل و الحوار و التفاعل.



إذا كنا نعتبر أن التبادل خاصية إنسانية بامتياز, فإن الإنسان بالفعل كائن تبادلي لأنه يمتلك أعقد أشكال التبادل, ليتجاوز بذلك التبادل المادي و الإقتصادي إلى التبادل الرمزي الذي يتجلى بالأساس في تبادل التمثلات و الأفكار و التصورات و المواقف و السلوكات, و بالتالي يمكننا القول إن التبادل سمة سيكولوجية اجتماعية و ثقافية.



في سياق ذلك أغنت السيكولوجية مفهوم التبادل و ساهمت في توضيحه بالوصف و التحليل الدقيقين لمتغيراته المعرفية الوجدانية و الإجتماعية معتبرة إياه خاصية إنسانية بامتياز ينبغي تطويرها و تفعيلها لدى الأفراد و الجماعات. و تأتي أهمية المقاربة السيكولوجية للتبادل من كون هذا الأخير لا يمكن دراسته بمعزل عن النشاط المعرفي و الوجداني و اللغوي و التواصلي و باستقلال عن ميادين مثل: الإدراك, الفهم, الذاكرة, حل المشاكل, المواقف الذاتية, الإنفعالات؛ فالتبادل في أبعاده اللغوية و التواصلية بين الأفراد هو سلوك ناتج عن التربية و التنشئة الاجتماعية يترك آثارا على نفسية الأفراد.



إن التبادل في أبعاده اللغوية و التواصلية يقوم بوظيفتين أساسيتين:



1) الوظيفة الإعلامية الإخبارية و يتجلى ذلك في تبادل المحتويات التي تكون عبارة عن وقائع و أحداث و أفكار و معارف تتعلق بالعالم الفيزيائي و الإجتماعي و الذي يجب على الفرد أن يتعلمه هو كيف يستوعبه و يتحكم فيه.



2) وظيفة ممارسة المراقبة؛و يتجلى ذلك في سلوك الشخص للمعنى المتبادل الرمزي و التواصلي و يمثل هذا الطلبات, الاقتراحات, الأوامر, البرهنة, التشجيعات و التأثيرات الوجدانية التي يكتسبها الطفل و يستعملها للتأثير على محيطه.



إن التبادل نفسيا هو مجموعة من التأثيرات المتبادلة على مستوى الحالات الشعورية و اللاشعورية للشركاء داخل نفس المحيط الاجتماعي. و من وجهة نظر علم النفس الإجتماعي فإن التبادل الرمزي و الإجتماعي للأفكار و المعارف و التمثيلات و المواقف هو بالأساس تفاعل بين عدة شركاء تحدده قواعد الوضعية و السياق. فالتبادل إذن صيرورة ديناميكية للتأثير و التفاعل المتبادلين.



أما التبادل كمفهوم سيكولوجي في نظرية التحليل النفسي عند "سيغومند فرويد" فإنه يأخذ بعدا مهما بحيث يعتبر محوريا في الشخصية و ذلك تبعا لمنطق التبادل الذي يحدث بين الجوانب الفطرية و البيولوجية مع البيئة الاجتماعية إنها علاقة شد و جذب, ومن خلال هذا الصراع و التبادل و التفاعل مع البيئة تتكون الشخصية و تنمو و يتحدد شكلها.



و حسب النظرية السلوكية و خصوصا مع "واطسون" يعتبر التعلم هو الإطار و المجال الذي يحدد التبادل الإنساني في بعده السلوكي بحيث أن تبادل السلوكيات بين الناس هو عبارة عن تبادل لمجموعة من المثيرات و الاستجابات فيما بينهم؛ فالتبادل في هذا السياق يأخذ صبغة انفعالية و بالتالي فالفرد في هذا العدد على أن التبادل بهذا المعنى هو نشاط آلي و ظاهري يمكن تحليله إلى و حدات بسيطة هي الاستجابات الأولية التي ترتبط بمثيرات محددة للكشف عما بين هذه الوحدات من علاقات, و دراسة القوانين التي تتحكم في هذا السلوك.







[1] -مارسيل موس،مرجع سابق ص77



[2]-ايفانزبريتشارد "الانتربولوجا الاجتماعية"ترجمة أحمد أبوزيد،المنشورات الجامعية المصرية،القاهرة1976 ص56



[3] - مارسل موس"بحث في الهبة"مرجع سابق،ص87.



-[4] ايفا نز بريتشارد"الانتربولوجيا الاجتماعية"مرجع سابق،ص64